رواية همس الجياد (الفصل الأول إلى السابع) بقلم الكاتبة مروة جمال
عندما أصبح هروبي بداية
وعشقي خطيئة
أصبح منبع سعادتي هو سر ألمي
زهدت الكلمات وتحولت حياتي لمجرد همسات
مع الكائن الوحيد الذي لا يجرح
نعم ...همساتي لتلك الجياد
فأصبحت حياتي همس الجياد
مواقف كتير قوي في حياتنا بنحس إنها مرت علينا قبل كده لكن في حالتي أنا مش مجرد إحساس ...كانت حقيقة
نفس الصوت بيزلزل وداني .. صوت الجهاز وهو بيقيس نبضات القلب ..قلبي ..قلبه ...مش عارفة
تيت تيت ...تييييييييييييييييييييييييت
الفصل الأول
منذ عامين .
سنو وايت الجميلة النائمة هكذا أطلقوا عليها في المشفى نظر لها أحد الأطباء المستجدين بالمشفى وهمس لزميله بمكر . !!!!!!
منذ الحادث الأليم وهي على نفس الحال ..تشعر بهمساتهم ...بكاء أمها حسرة أبيها ولكنها حقا لا تستطيع ..تأبى أن تغادر حلمها الجميل فهذا هو المكان الوحيد الذي يوجد به حبيبها ..حبيبي أشتاق إليك ..صوتك .إبتسامتك الساحرة ..سحقا لتلك الأحلام فهي تعطيني كل شئ ولا شئ ...
إيناس إيناس
كان يقف على شاطئ البحر وينادي عليها بصوت مرح
إيناس خلاص الشط كله عرف إسمي
شريف وكمان حيعرفوا إنك حبيبتي
إلتفت يداه حول خصرها ليحملها كالأطفال
إيناس يا مجنون
شريف كده طيب جبتيه لنفسك
إيناس حتعمل إيه
شريف حتشوفي
بمرح .نعم كانت تلك لحظاتي معك يا شريف ...لحظات من المرح .مجرد لحظات فلقد تركتني بعد الزواج بشهر واحد .
وهكذا كانت ملامح وجهها تتأرجح بين الإنبساط والإنقباض .بسمة ودمعة فهي غارقة في بحر من الذكريات وترفض العودة للواقع .فالواقع لا يوجد به سوى الحقيقة التي تأبى أن تتعايش معها ..لقد مات شريف
بجانب الفراش تجلس سيدة باكية ملامحها تنبئ بعمر يفوق عمرها الحقيقي ببضع سنوات يداها المرتعشة تمسك بمصحف صغير .تتمتم بكلمات الرحمن في خشوع وبكاء ..كانت تغوص في ذاكرتها وتعود لمنزلها الدافئ بعيدا عن برودة المشفى التي تحمل روائح الداء والدواء معا ...فثريا سيدة مصرية تقليدية ...منزلها هو مملكتها الصغيرة التي طالما إحتضنتها وقدستها لأبلغ الحدود فمجرد أن تدلف للمنزل تشعر بالحميمية والدفئ الصادرة من الحوائط ذات اللون القاتم الذي يذكرك بغروب الشمس ...الأثاث العتيق والسجاد الفاخر ...عبق الروائح المميزة الصادرة من مطبخها منبئة بطعام دافئ تشتم طعمه اللذيذ قبل أن تتذوقه ...زمت شفتيها وهي تحاول أن تتذكر مملكتها الغالية التي تركتها منذ أيام قابعة بهذا المشفى هي وإبنتها وزوجها تاركة إبنها الأصغر ليعيث في منزلها فسادا ...أغلقت المصحف وإبتسمت بسخرية فهي تشغل نفسها بالتفكير في المنزل ربما لتنسى ولو للحظات ما حل بإبنتها !!!!!
تنهدت ثريا في آسى ثم قالت لزوجها إيه يا عبد الرحمن الدكتور قالك إيه
عبد الرحمن بيقول حالة إنهيار عصبي
ثريا باكية منا عارفة بس إحنا بقالنا أسبوع دلوقتي وهي مش دريانه بحاجه
عبد الرحمن واخدة مهدئات كتير .
ثريا يا عيني عليكي يا بنتي ملحقتيش تتهني
عبد الرحمن خلاص بقه يا ثريا ..إدعيلها
ثريا بنتي بتضيع مني يا عبد الرحمن .أنا خايفة عليها قوي .أنا خايفة بعد الشر تحصله
عبد الرحمن أستغفر الله العظيم يا رب ...يا شيخة حرام عليكي بلاش الفال ده ...إستهدي بالله كده وإقريلها قرآن
ثريا ونعم بالله ..طيب يعني هي حتفضل نايمة كده لإمتى
عبد الرحمن معرفش .بس بيقولوا لازم يخففوا جرعات المهدئ لإنها كده مش دريانه بحاجه خالص
ثريا أيوه الدوا الزفت ده مخليها زي ما تكون في غيبوبة
عبد الرحمن مضطرين يا ثريا ...إنتي نسيتي حالة بنتك كانت عاملة إزاي بعد ما مات .
ثريا متفكرنيش ..متفكرنيش أبوس إيدك
عبد الرحمن لا حول ولا قوة إلا بالله يارب صبرها وصبرنا ..أنا حاروح أصلي العصر على بال ما الدكتور يجي
ثريا إدعيلها يا أبو أيمن
عبد الرحمن بدعيلها في كل وقت يارب ألطف بيها وبينا يا رب
كان عبد الرحمن والد إيناس موظف بالمعاش ...ميسور الحال يعيش بشقة متواضعة بحي العجوزة ...لديه من الأبناء ثلاثة إيناس وأيمن ومصطفى .الأكبر أيمن تخرج من كلية هندسة وتزوج وسافر منذ سنوات لإحدى الدول العربية وعصفورته الوسطى إيناس تخرجت منذ أشهر قليلة من كلية الطب البيطري والأصغر مصطفى طالب بكلية التجارة
ولد حب شريف وإيناس منذ عدة سنوات ...عندما قطن شريف بالشقة المقابلة لشقتهم ...شاب من أحد المدن الصغيرة المجاورة للقاهرة ذو خلق دمث وحال ميسور . إستأجر تلك الشقة بعد أن إنتقل للعمل في القاهرة ..لفتت نظرة تلك الشابة رقيقة الملامح ...خجولة للغاية . إعتاد ان يراها يوميا في الصباح وهي متوجه للجامعة ..سلبت لبه وأصبحت ملكة أحلامه وشغل هو تفكيرها بإبتسامته الساحرة التي إعتاد أن يحييها بها كلما رآها ..قصة حب بدأت وإستمرت لسنوات وكللت بالزواج زواج لم يدم سوى شهر واحد لينتهي بأسوأ خبر نعم صدمته سيارة وإنتهت حياته مع توقف صوت جهاز ضربات القلب بغرفة العناية المركزة ..لتسقط هي الأخرى بعد حالة شديدة من الإنهيار وتبدأ رحلة العلاج النفسي في محاولة لتجميع بقايا إنسانة
رواية همس الجياد.
بقلم الكاتبة مروة جمال.
الفصل الثانى
كانت ثريا تقف خارج الغرفة وتضع يدها على فمها لتمنع نفسها من البكاء ...كانت قدماها لا تقوى على حملها فصراخ إيناس يمتد لآخر المشفى ...خرج الطبيب النفسي لاهثا دون أن ينظر نحوها وتتبعه الممرضة أمسكت ثريا بذراعها بعنف قائلة بنتي مالها عملتوا فيها
نظرت لها الممرضة بشفقة ثم إنتظرت بعد أن إبتعد الطبيب إهدي يا حاجه .
ثريا بنفس النبرة الغاضبة أهدى إزاي ..البنت في حالة إنهيار
الممرضة معلش هي كانت بتاخد مهدئات جامدة وعايشة برة الواقع ولازم تواجهه ده في الأول بس ...الدكتور إداها دوا مهدئ بس أبسط من الأولاني ومع الوقت حتتحسن بس حنتعب في الأول شوية
ثريا بس الدكتور خارج شكله ميطمنش
الممرضة لا لا أصله متنرفذ من الدكتور الأولاني اللي إستسهل بمهدئات قوية وشايف إن ده مش صح
ثريا يعني إيه مش فاهمه .
الممرضة يا حاجه أقعدي جنبها وإرقيها وإقرأي قرآن خليها كده تهدى وترضى بقضاء ربنا ومعلش أزمة وحتعدي
تركت ثريا الممرضة وعادت مرة أخرى لغرفة إيناس وأهالها ما رأت على وجهها من شحوب ..إحتضنتها بقوة وما كان منها إلا أنها إنفجرت في البكاء قهرا على حال إبنتها وظلت تدعو ربها تضرعا أن تمر الأيام وتخرج إبنتها من تلك الحالة .
مرت عدة أيام وبدأ العلاج النفسي ينبئ بتقدم مع إيناس .بدأت تعود للواقع رويدا رويدا بأعصاب متماسكة نوعا ما ولكن بقلب منهار ...خرجت من المشفى أخيرا بعد مرور شهر و بضعة أيام .وعادت للمنزل كانت والدتها سعيدة بتلك الخطوة فإبنتها ستبتعد أخيرا عن جو المشفى بمرضه وكآبته ولكن كان القلق يستبد بوالدها فالمنزل كل ما فيه ينبض بذكرى شريف ..والشقة المقابلة هي شقة عرسها التي لما تقضي بها سوى عدة
ذكريات
كان ينتظرها يوميا ...يقف بالشرفة ممسكا بهاتفه ونظراته موجهه نحوها بدون إنقطاع
شريف بحبك
تنظر له بإبتسامة يشوبها الخجل ثم تتلفت حولها والهاتف ما زال على أذنها .
شريف سامعاني
إيناس سامعاك
شريف بحبك
إيناس ..
شريف بموت في كسوفك بس بجد نفسي أسمعها منك
إيناس هي إيه
شريف كلمة بحبك
إيناس تنظر للأرض وتهمس بصوت منخفض بحبك
يسقط شريف أرضا بطريقة درامية وهو ممسك بقلبه
إيناس يا مجنون
شريف بيكي .
إيناس طيب أنا لازم أدخل أوكيه
شريف لا إله إلا الله
إيناس محمد رسول الله
كانت تذرف الدموع وهي تتذكر لحظات العشق بينها وبينه .تلك الشرفة التي شهدت أجمل أيام عمرها
كان الدكتور علي ما زال بعيادته يستقبل الحالات المعتاده شعر الطبيب الأربعيني بالإنهاك وود أن يقوم بإلغاء جميع الكشوفات لولا أن أخبره مساعده بأنها آخر حالة ..كان ما زال شاردا بأوراقه عندما دخل عليه الرجل صاحب الميعاد ...كبير السن يرتدي نظارة طبية سميكة الإطار وله شعر رمادي وقد إسترسل بنعومة خلف أذنه وشارب بنفس لون شعره أعطاه هيبة ووقارا ملحوظا .تذكره الطبيب على الفور بمجرد رؤيته رغم مرور حوالي ستة أشهر على خروج إيناس من المشفى ..إستقبله بإبتسامة ودهشة قائلا أهلا ..أستاذ عبد الرحمن إتفضل
عبد الرحمن متشكر يا دكتور
الطبيب خير مدام إيناس عاملة إيه
تنهد عبد الرحمن بألم ثم تابع ماهو ده السبب اللي أنا جايلك علشانه
نظر له على بإهتمام كان يشعر بنوع من المسؤولية عن حالة إيناس فلقد إنهارت بالمشفى مباشرة بعد وفاة زوجها ولم يكن هو متواجد بتلك الفترة حيث كان قد سافر لحضور أحد المؤتمرات بعد أن رشح طبيب شاب ليحل محله وعاد ليفاجئ بحالة إيناس التي زادت تدهورا بعد أن إتخذ الطبيب الطريق السهل وقام بحقنها بأقوى المهدئات لتعيش بعالم منفصل عن واقعها الأليم وعانت وعانى معها في فترة العلاج رفض هذا الواقع
نظر علي لزائره بإمعان ثم تابع خير قلقتني
عبد الرحمن إيناس رجعت حالتها إتدهورت تاني يا دكتور تقريبا مش عايشة معانا بتنام كتير قوي زي ما تكون عايزة تهرب من الدنيا ولما بتكون صاحية علطول سرحانه وقاعدة في أوضتها تبص على شقته وتفكر فيه
على شقته !!!!
عبد الرحمن ماهو شريف الله يرحمه كان جارنا وساكن قدامنا
شعر علي بغضب شديد وقال للرجل في لوم إزاي يا أستاذ عبد الرحمن ماتقوليش معلومة مهمة زي دي ...انا كنت نبهت عليكم متجيبوش سيرة الماضي أصلا قدامها أتاريها قاعدة جوه الماضي وشايفاه قدامها ليل ونهار
عبد الرحمن يا دكتور طيب كنا حنعمل ايه ده بيتنا وحياتنا ...أنا بجد مش عارف
علي إيناس مشكلتها دلوقتي إنه كل حاجه حواليها بتفكرها بشريف وهي رافضة الواقع ومش قادره تعيش فيه علشان كده بتهرب للماضي في أحلامها ...لازم يحصل تغيير .شوية مضادات الإكتئاب والعلاج مش كفاية .هي بتشتغل
عبدالرحمن الحقيقة بعد ما إتخرجت إتجوزت علطول وماشتغلتش
علي لازم تتشتغل وتخرج من الدوامة
عبد الرحمن إيناس خريجة طب بيطري
صمت علي لفترة ثم لمعت عيناه وقال أنا عندي الحل يا أستاذ عبد الرحمن إيناس مش محتاجه علاجي وأدويتي بس ..إيناس محتاجه تبعد محتاجة حياة جديدة ووجوه مختلفة تشغل واقعها وتخرجها بره أحلامها وهمومها
لو معندكش مانع أنا عندي شغل كويس لإيناس ومكان أحسن تبدأ في من جديد
نظر له عبد الرحمن بإهتمام وقال حل حل إيه
علي أختي جوزها بيشتغل في مزرعة كبيرة قوي في طريق مصر إسكندرية الصحرواي ..المكان فيه مصانع لإنتاج الألبان وطبعا أراضي زراعية مكان تحفه وكمان من فترة كانوا بيدورا على طبيب بيطري يهتم بمزرعة الخيل وطبعا حيقيم هناك ...إيه رأيك
عبد الرحمن أيوه ..بس
علي حضرتك متردد علشان هي بنت إعتبرها إشتغلت في بلد تانية وده بيحصل مع ناس كثير ..المزرعة فيها ناس كتير مقيمة بقت أشبه بمجتمع سكني صغير ده غير إن أختي هناك حتتابع حالتها وتبلغني أول بأول .انا شاعر بالمسؤولية عن حالة إيناس وبجد عايز أساعدها والمكان ده فرصة كويسة قدامنا ...
عبد الرحمن حضرتك شايف كده يا دكتور يعني بعدها ووحدتها مش خطر
علي متقلقش أنا واثق إن إيناس حتتحسن في المكان ده .أنا عارف أنا موديها فين
نظر له عبد الرحمن وهو يشعر أنه لا يوجد سبيل أمامه سوى قبول تلك المجازفة فوردته تذبل أمامه يوما بعد يوم
الفصل الثالث
كانت ثريا تقف بالمطبخ تقذف قطع البطاطس بغضب داخل الزيت الغزير فشلت كل السبل لإخراج إبنتها العنيدة من غرفتها أو ربما من غفوتها .فاجئها مصطفى إبنها الأصغر وهي شاردة وتزفر بغضب ...دخل متصنعا المرح للسيطرة على غضب أمه كفاية بطاطس محمرة بقه ...جسمنا إتهرى كوليسترول يا بطة
ثريا أسكت يا ولا أنا مش فايقالك
مصطفى كده ...طيب هو حد في البيت ده بيرفع معنوياتك وبياكل غيري ...المانيكان طول عمرها أكلتها قليلة والحاج مبقاش ليه تقل على السمنة البلدي يا جميل إنت
ثريا أسكت يا مصطفى أديك شايف أختك مانيكان إيه بقه دي يا عيني وشها بقه أصفر من قلة الأكل وكتر الهم
مصطفى معلش يا ماما حتاخد وقتها
ثريا إيناس دبلت يا مصطفى بقه هي دي إيناس اللي كانت مالية البيت ضحك وهظار يابني إحنا بقالنا 6 شهور دلوقتي من ساعة الحادثة ومفيش تحسن ..أهو أبوك راح للدكتور إمبارح ورجع نزل الصبح ومعرفتش عمل إيه ..
مصطفى معرفتيش
ثريا بيقولي بالليل الدكتور حيجي يشوف إيناس ويتكلم معاها شوية
مصطفى خلاص أكيد الدكتور عنده حل يا ماما وهو شاطر فاكره في المستشفى إتحسنت على إيده
ثريا اه ولما رجعنا هنا يوم ورا التاني وحالتها إتدهورت تاني كأنها عايشة معانا بنص عقل
مصطفى ماهي طول ما هي حابسة نفسها في الأوضة وبتبص على الشباك مش حتنسى مش حتتقدم خطوة لقدام
ثريا خلاص ننقل بقه ولا تسافر لأخوها لو ينفع
مصطفى مش عارف إما نشوف الدكتور حيعمل إيه ..اه على فكرة
ثريا إيه
مصطفى الكوليسترول إتحرق
خرج مصطفى من المطبخ تاركا أمه تخرج البطاطس المحترقة وهي تصب جام غضبها على الطعام ثم نظر لغرفة أخته في حسرة وإتجه لغرفته .
أجتمعت الأسرة كعادتها على مائدة الغداء مائدة الغداء هي شئ مقدس لدى ثريا لا يصح أن يتخلف أحد وقد كانت ثريا شديدة الإنتقاء في كل ما يخص منزلها على الرغم